وهبة الزحيلي
272
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
تسمعوا قول اللّه تعالى : أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ؟ . وهذا نهي إرشاد وأدب ، لا نهي حظر وإيجاب . والمستحب لكل من يلقي البذر في الأرض أن يقرأ بعد الاستعاذة : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ الآية ، ثم يقول : بل اللّه الزارع والمنبت والمبلغ ، اللهم صل على محمد ، وارزقنا ثمره ، وجنّبنا ضرره ، واجعلنا لأنعمك من الشاكرين ، ولآلائك من الذاكرين ، وبارك لنا فيه يا ربّ العالمين . ويقال : إن هذا القول أمان لذلك الزرع من جميع الآفات : الدود والجراد وغير ذلك . واللّه سبحانه قادر أن يجعل الزرع متكسرا هشيما هالكا لا ينتفع به في مطعم ولا زرع ، وفي هذا تنبيه على أمرين : أحدهما - ما أولاهم به من النّعم في زرعهم ، إذ لم يجعله حطاما ليشكروه ، الثاني - ليعتبروا بذلك في أنفسهم ، فكما أنه يجعل الزرع حطاما إذا شاء ، كذلك يهلكهم إذا شاء ليتعظوا وينزجروا . وإذا جعله اللّه حطاما لم يجد الإنسان سبيلا آخر للتعويض ، فيعجب من ذهاب الزرع ، ويندم مما حلّ به ، ويقول : إنني لخاسر مغرم ، أو لمعذب هالك ، محروم مما طلبت من الريع والربح . ثم ذكر اللّه تعالى المشروب الذي لا بدّ منه للحياة ، والتابع للمطعوم ، فهو نعمة عظمي ، واللّه هو الذي أنزله من السحاب ، لإحياء النفوس ، وإرواء العطش ، وإذا عرف أن اللّه أنزله ، فلم لا يشكره العباد بإخلاص العبادة له ، ولم ينكرون قدرته على الإعادة ؟ واللّه قادر على أن يجعله ملحا شديد الملوحة ، لا ينتفع به في شرب ولا زرع ولا غيرهما ، فهلا أيها البشر تشكرون اللّه الذي صنع ذلك لكم ! فهذا دليل آخر على قدرة اللّه ، ونعمة أخرى .